بعض أولويات المغرب الهامة بعد أزمة جائحة كرونا

بعض أولويات المغرب الهامة بعد أزمة جائحة كرونا

من إعداد: ذ. الطيب سوزان

باحث بالمركز

  تباينت دول العالم في التعامل وتدبير  جائحة كورونا المفاجئة وغيرالمتوقعة ، وتعرضت مجموعة من الجهات ببعض منها، لكثير  من الانتقادات واللوم.

 المغرب، ورغم إمكاناته البسيطة والمتواضعة، اتخذ قرارات احترازية واستباقية هامة وحاسمة، لعل أبرزها قرار حالة الطوارئ الصحية في مختلف انحاء المملكة وحزمة منالإجراءات الاقتصاديىة والاجتماعية لضمان تطبيق هذا القرارالصعب، وذلك بهدف حصار وتطويق تطورتفشي وانتشار عدوى المرض، حفاظا على صحة وسلامة المجتمع المغربي، وبهدف أيضا التقليل من الخسائرالبشرية والأضرار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذا الوباء الفتاك.

 وبفضل الجهود المتواصلة والتعبئة الشاملة والقوية لمؤسسات الدولة بروح وطنية عالية، وكذا تعاون المواطنين من خلال التقيد بالإجراءات الوقائية والحجرالمنزلي وانخراطهم في كل أشكال التضامن الاجتماعي بحس انساني أصيل، استطاع المغرب احتواء تطورالوباء والتحكم والسيطرة عليه.

 وما وسم مؤسسات الدولة في مواجهة  هذا الفيروس الخفي، اتخاذ كل واحدة، التدابير الضرورية ذات الصلة بمجال تدخلها واختصاصها، والسهر على تنفيذها، وعلى صعيد أخرأصبح خدمة المواطن موجه وهدف عملها، بحيث أضحت العناية بشؤونه  ومعيشته وأمنه وصحته وفضاءاته العمومية، موضع اهتمام كبيرمن طرفها؛ ويتجلى ذلك في عدة أمور، منها تقديم مساعدات مالية للأسر المعوزة والهشة، و مراقبة الأسعار والتصدي للاحتكار، وتعقيم الأماكن العمومية وتنظيفها، وهدم الأسواق العشوائية ببعض المدن، واستتباب الأمن، إضافة إلى التواصل مع المواطنين باستعمال شتى الوسائل بخصوص ما يهمهم ويشغل بالهم ، وإلى غير ذلك من الأعمال والسلوكات الإدارية التي نالت الاستحسان والتقدير.

 وشمل هذا الاهتمام كذلك، فئة الأشخاص في وضعية الشارع، حيث استفادوا من المأوى، والمأكل والمشرب والملبس والفحوصات الطبية. ما أعاد لهم أدميتهم في هذا الزمن الكروني، بعدما كانوا منسيين من الجميع إلى حدود ظهور الوباء بالمغرب، يعيشون في الشوارع مشردين تائهين، يقتاتون على القمامات وينامون في الليل ملتحفي السماء ومفترشي الأرض.

 وعلى العموم، لامس وأحس المواطن أنه يتوفرعلى مؤسسات مواطنة، تقوم بالمهام المنوطة بها، وتسهربجدية على خدمته وحمايته، بكل مسؤولية وبروح وطنية عالية بهذا السلوك، فإن مؤسسات الدولة، قد مهدت الطريق إلى إعادة ثقة المواطنين فيها بعدما ضعفت، وبدأت في المصالحة معهم وفي تصحيح التمثلات السيئة عنها التي تشكلت لديهم بمرورالأيام والسنين، كما بعثت في نفوسهم الأمل في الإصلاح والتغيير، إضافة إلى الحلم في مسقبل أفضل وأحسن،ميزته الأساسية المنتظرة بدون منازع، وطن حاضن  لجميع أبنائه، يتمتعون فيه، بالحرية وبالكرامة وبالعدالة الاجتماعية وبكامل حقوقهم المختلفة، ويلتزمون بواجباتهم إزاء غيرهم وإزاء وطنهم.

 الشيء الذي يستوجب الحفاظ على هذا السلوك، ورسملته وتعزيزه لتقوية الثقة فيها وقدراتها. ذات الثقة التي تبقى شرطا لضمان نجاح أي تنمية غايتها العليا خدمة المواطن ووسيلتها الفعالة الاعتماد على وعيه وذكائه وانخراطه ، وتكون أولويتها الأولى تلبية احتياجات المواطنين المختلفة والحد من التباينات والفوارق الاجتماعية والمجالية.

 إن تجربة التصدي لوباء كرونا، برهنت للجميع الأهمية البالغة للتعبئة الجماعية والانخراط  الجماعي، في احتواء وتطويق هذا المرض الفتاك الذي تسبب في وفيات كثيرة في بلدان قوية اقتصاديا وطبيا . كما أنها ذكرتنا ببعض النواقص التي يجب  تداركها وتحويلها إلى فرص للإقلاع والنمو، وبينت لنا بوضوح بعض أولويات العمل في المستقبل، والتي نعرضها حسب أهميتها فيما يلي:

1.إصلاح الإدارة

 لايجادل أحد أن رفع تحديات المغرب المختلفة، يتطلب وجود إدارة بمختلف المستويات الترابية، مواطنة وفعالة، تنهج قواعد العقلانية والشفافية، وتعتمد الرقمنة كوسيلة ناجعة في تدبير وتسيير شؤونها.

 وغني عن التذكير، أن الإدارة هي الجهاز الرئيسي لتنفيذ سياسات الدولة، وكذا جمع وتحليل المعلومات والمعطيات ذات الصلة بالحاجات المختلفة للمواطنين وشؤون المجتمع، بالإضافة إلى إعداد الاستراتيجيات والقرارات والقوانين والسهر على تنفيذها ومراقبتها وتتبعها وتقويمها.

 وهناك شبه إجماع أن الإدارة المغربية تعاني من عدة مشاكل واختلالات، ترتبط بشكل أساسي بعقلية فاعليها وبنمط الثقافة والسلوكات السائدة فيها. وعليه فإن القيام بإصلاح جذري للإدارة، يعد أولوية الأولويات وشرط ضروري لكل تنمية منشودة، بغية تجديد حكاماتها وأسلوب تدبيرها للشأن العمومي، وجعلها إدارة أساسها تحقيق النتائج بفعالية ونجاعة، قائمة على التقويم المنتظم لعملها لتجنب الآثار السلبية المحتملة لقراراتها وتدابيرها على حقوق ومصالح المواطنين والوطن، ومبنية على المحاسبة وتطبيق العقوبات الإدارية أو القضائية، لزجر كل تجاوز، أوتهاون أوتقصير في تحمل المسؤولية أوفي أداء الواجب.

 ورغم نواقص الإدارة المغربية، فإنها تتميز بنقطة قوية، تتمثل في احترام سلطتها، احترام المرؤوسين لرؤسائهم والقيام بمهاهمهم وتنفيذ الأوامر والتعليمات التي تعطى لهم، الأمر الذي يدعو إلى الوعي بهذه النقطة الهامة، والحرص الشديد على اختيار مسؤولين إداريين في المستوى المطلوب، تتوفر فيهم شروط الكفاءة والتواصل من جهة، ومن جهة أخرى لا يتم إقرارهم في مناصب المسؤولية إلا بعد تقويم عملهم على غرار ما هو معمول به بخصوص مديري المؤسسات التعليمية، وذلك من أجل تكوين جيل من المسؤولين قادر على قيادة إصلاح الإدارة، ويكون نموذجا وقدوة حسنة للغير فكرا وقولا وسلوكا في التدبيرالمسؤول للشأن العمومي وفي خدمة الوطن والمواطنين.

2.القضاءعلى الأمية:

 يقتضي القضاء على آفة الأمية، وضع برنامج وطني لمحو أمية الكبارمن جهة، ومن جهة محو أمية الأطفال في سن التمدرس، مدة إنجازه تكون قصيرة، يتقاسمه ويتعبأ الجميع لتمويله قصد بلوغ أهدافه. فلايعقل ان نستمرفي تنفيذ برامج محو الأمية من بداية الاستقلال إلى يومنا، وفي تنفيذ برامج التربية غير النظامية الموجهة لغير المتمدرسين لأكثر من عقدين من الزمن، دون الوصول إلى المبتغى والقضاء النهائي على هذه المعضلة الاجتماعية التي تعيق وتحد من تنظيم وتطور وتقدم الوطن.

 وفي نفس الوقت، الحرص الكامل على تعميم التعليم الإلزامي في مدة زمنية معقولة، لأن تحقيق هذا الهدف، سيقضي بلا شك على آفئة الأمية ويجفف منبعها. و لابد من الإشارة في هذا الصدد، أن إلزامية التمدرس تقع علي عاتق الدولة والأسربموجب القانون-الإطارلإصلاح التعليم، فإذا كانت الدولة تبذل جهودا كبيرة لتوفير العرض المدرسي والتشجيع على الطلب الاجتماعي على التمدرس وأن قرار تمدرس الطفل من عدمه يبقى قرار الأسرة بالدرجة الأولى،  فإن بعض الأسر للأسف لا تبالي ولا تكترث بتمدرس أبنائها، وتطبيق مقتضيات قانون الإلزامية تطبيقا صارما بعد مراجعته وتحيينه في هذه الحالة يعد الحل النافع.

 وذكرالتعليم، يجرنا التذكيرأن أزمة كورونا أجبرتنا على اللجوء إلى التعليم عن بعد لضمان استمرار الدراسة، وهي تجربة هامة وجب تثمينها بعد تقييم موضوعي لها، واستثمارها سواء في التعليم العالي وهوالأكثرملاءمة لهذا النوع من التعليم، فعلى سبيل المثال يمكن اعتماده للرفع من الولوج إلى المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود باعتماد التفويج والتناوب على التعليم الحضوري والتعليم عن بعد، دون إحداث مؤسسات جديدة وتوسيع أخرى؛ أوفي التعليم المدرسي حيث يمكن توظيفه، للدعم المدرسي لمعالجة التعثر والفشل الدراسي، وكذا في التكوين الأساسي والمستمرللمدرسين والمدرسات.

3.النهوض بقطاع الصحة العمومية:

 يعتبرالنهوض بقطاع الصحة العمومية، مطلبا جماعيا ملحا، يتعين تحقيقه، فعلاوة على توسيع العرض الصحي والرفع من التأطير الطبي، وكذا، تعميم التغطية الصحية على الجميع، ينبغي العمل على تحسين التواصل مع المواطنين ومعاملتهم والعناية بهم بالوحدات الطبية والاستشفائية، للتمكن من تبديد الصورة السيئة عنها والعاملين بها التي بدأت تتنامى لديهم، وعلى مستوى آخرتمكينهم من الاستفادة من خدماتها وحقهم في التطبيب والاستشفاء. هذا، وينبغي أيضا إرساء مراقبة منتظمة لقطاع الصحة الخصوصي كي يساهم إلى جانب القطاع العمومي في تقديم خدمات صحية بأثمان مقبولة ومعقولة.

 4.محاربة الفقر والهشاشة:

 لا ينازع أحد أن الفقر بمختلف أشكاله، يحرم الأفراد من الاستفادة من الخدمات العمومية، ويشكل مصدرا للكراهية والحقد، وتهديدا لتماسك المجتمع وأمنه وسلامته، كما أنه يحد من مبادرات الدولة الرامية إلى عصرنة وتنظيم المجتمع. و يستدعي التقليص من الفقروالهشاشة الاجتماعية، التوفر على قاعدة معطيات وطنية ، توفر معلومات دقيقة  سوسيو-ديموغرافية وسوسيو-اقتصادية عن كل أسرة مغربية، تخضع للتحيين الدائم، وعلى أساسها يتم تحديد الأسرالتي تحتاج إلى إعانات  مباشرة ودائمة وفق شروط معينة. والتي تحتاج إلى دعم للتكفل بشؤونها ولتطوير ذاتها وتحسين أوضاعها الاجتماعية. وبصفة عامة توظف هذه القاعدة لإعداد استراتيجيات لمحاربة الفقر وتنفيذها وتقييمها. وأحسن طريقة لتوفير معطيات وبيانات شاملة ومضبوطة وموثوق فيها لهذه القاعدة، هي تنظيم إحصاء يشمل ربوع المملكة.

 وتجدر الإشارة أن التضامن قيمة راسخة في مجتمعنا يرثها جيل عن جيل، لكنه يحتاج إلى تأطير وتنظيم وتوجيه للحد من كل أنواع الفقر والهشاشة، وعلى صعيد أخر، تتسم  محاربة الفقربتعدد المتدخلين، ما يؤدي  إلى تشتت الجهود وضعف النتائج. ولتوحيد الجهود المبذولة في هذا المجال وتقنين التضامن السائد في المجتمع، فإنه من الأهمية بمكان التفكيرودراسة إمكانية إحداث مؤسسة وطنية تسهر على قيادة وتدبير برامج محاربة الفقر، تتمتع بميزانية مستقلة يلتزم بالشفافية في تنفيذها، مواردها يمكن أن تكون من اعتمادات ميزانية الدولة، ومن تبرعات المؤسسات العمومية والخصوصية، ومن أفراد الجالية المغربية، ومن أموال الزكاة والوقف والمحسنين والمنظمات الدولية.

خاتـمة:

 إن التغلب على التحديات التي تواجه المغرب أمر ممكن، غير أن ذلك  يتطلب شرطا معنويا أساسيا وضروريا، يتمثل في النية الصادقة للفعل والإرادة الحقيقية والدائمة للتغيير والإصلاح المستمر، فحينما نريد نستطيع كما يقول المثل.

اترك تعليقاً

Close Menu