واقع التعليم الأولي بالمغرب وبعض سبل تطويره

واقع التعليم الأولي بالمغرب وبعض سبل تطويره

من إعداد: الطيب سوزان

إطار في التخطيط التربوي

تعتبر السنوات الأولى من حياة الطفل من أهم مراحل الحياة وأكثرها تأثيرا في مستقبل الإنسان، فهي مرحلة تكوينية يوضع فيها الاساس لشخصيته ويكتسب فيها عاداته وأنماط سلوكه، كما أن كل ما يعيشه ويمر به من خبرات وعلاقات و وتفاعلات يكون لها أثرها على اتجاهاته المستقبلية.

وتؤكد الدراسات السيكولوجية والسوسيولوجية أن مرحلة التعليم الأولي هي المرحلة التي تتحدد فيها المعالم الرئيسية لشخصية الانسان في أبعادها المختلفة، ففي هذه المرحلة تتسرب كثير من القيم، وتتشكل الملامح النفسية وطبائع التعامل و أنماط السلوك، وتشهد بداية الأنا العليا، وتأخذ فيها القدرات الحسية الحركية في الضبط والتناسق، كما تبدأ مرحلة تمايز الذات عن الغير وتبدأ ملامح تكوين أفكار عن العالم الخارجي، وبالتالي فافتقارالطفل في هذه المرحلة للرعاية والتوجيه اللازمين، يمكن أن يؤدي إلى وقوعه في مظاهر الاضطراب السلوكي والتأخر العقلي والفشل الدراسي.

وهكذا، فإن مؤسسات التعليم الاولي أو ماقبل المدرسي، أضحت ضرورة لامناص منها، لتتعهد بتربية الطفل وتنمية قدراته الحسية والحركية، ولتساهم في تحقيق توافقه النفسي وترعى تفتحه الفكري والاجتماعي في شروط وبيئة تسمح له بالتمتع بطفولته وتضمن له حرية الحركة التي تعتمد على النشاط واللعب الحر والموجه في عملية التعلم والتعليم.

كما أن هذه المؤسسات، تهيئه لاكتساب القدر الادنى من المعارف والمهارات وأنماط السلوك من خلال أنشطة متنوعة ومخططة ومن خلال العمل الفردي والجماعي، وذلك من أجل إدماجه السلس في النظام التعليمي ومساعدته على التكيف بسهولة مع البيئة المدرسية .

ونجاح هذه المؤسسات في وظيفتها التربوية والاجتماعية، يتوقف أساسا على مدى توفرها على فضاءات وتجهيزات ووسائل تربوية مناسبة، وأطركفأة استفادت من تكوين بيداغوجي ملائم، يزودها بمعارف نظرية وتطبيقية ومهارات تجعلها قادرة على القيام بمهامها وأداء رسالتها التربوية على أحسن وجه، و يؤهلها ويساعدها، على تطويرأدائها بشكل مستمروعلى مواكبة التطورات والمستجدات التربوية المرتبطة بمجالها.

يشكل إذن التعليم الأولي حلقة هامة ومرحلة أساسية ومدخلا لا محيذ عنه، في إصلاح وتجويد النظام التربوي و في تطوير القدرات العقلية والنفسية للطفل وتعزيز قدراته التواصلية واللغوية وتكييفه مع محيطه.
وبالتالي فإن الاستثمار فيه والعمل على تعميمه وتحسين جودته، يعد مدخلا رئيسيا للرفع من مستوى التعليم في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي، ذلك لأنه يساعد على تحقيق نتائج تربوية إيجابية، ويمهد الطريق لتطوير قدرات الطفل في سن مبكرة ويقلص بشكل كبير من الفشل والانقطاع الدراسيين.

و تبذل وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني وقطاع التعليم الخصوصي جهودا موصولة لتعميمه وتطويره، لكن رغم ذلك، فإن الطلب الاجتماعي على التمدرس بالتعليم الأولي، خاصة في الوسط القروي لا زال دون مستوى الطموحات المنشودة ، حيث لا تتعدى نسبة التمدرس الخام %41,7 بالوسط القروي (هذه النسبة لا تتجاوز28.3% لدى الإناث) ، مع الإشارة أن هذه النسبة على المستوى الوطني بلغت%64,3 خلال السنة الدراسية 2013-2014.[i]

هذا على مستوى الطلب، أما بخصوص العرض التربوي من التعليم الأولي، فإنه يظل محدودا ويتوزع بشكل غير متوازن على مجموع التراب الوطني. كما أنه يعرف تعدد المتدخلين فيه وضعف التنسيق فيما بينهم (الوزارة الوصية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية و المجتمع المدني وقطاع التعليم الخصوصي)، ما يؤثر على انسجام وتناسق النموذج والمنهج البيداغوجي الملائم للتعليم الأولي، كما يتميز العرض بهذه المرحلة التعليمية بهيمنة المؤسسات التقليدية، التي تستقبل نسبة هامة من المتمدرسين والتي لا يشكل المضمون التربوي بها عرضا يستجيب لحاجاتهم المختلفة.

هذا، إضافة إلى نقص كبيرفي التكوين البيداغوجي والتأهيل المهني للمربين والمربيات والمؤطرين ، وضعف في التأطير الإداري والتربوي للتعليم الأولي، وتباين واضح بين مؤسساته في التجهيزات الأساسية والشروط الصحية والتربوية، وطغيان النزعة التعليمية في معظم مؤسساته.

أما المناهج الدراسية في التعليم الأولي، فإنها تتسم بالتعدد، سواء على مستوى اختيار المضامين الملقنة والأنشطة التربوية الممارسة، أو على مستوى الطرق والوسائل الديداكتيكية المستعملة وكذا اللغات المعتمدة.

أمام هذه الوضعية غيرالمقبولة، أصبح من الضروري مضاعفة الجهود من أجل تطوير والنهوض يالتعليم الأولي الذي يساهم في الاحتفاظ بالتلاميذ في المنظومة التربوية وفي التقليص والحد من الفشل الدراسي، إضافة إلى تأثيره الإيجابي في النمو النفسي والمعرفي والاجتماعي للطفل.

ولقد بينت التجربة أن وزارة التربية الوطنية لا تستطيع لوحدها تعميم التعليم الأولي وتجويده. يتطلب رفع هذا التحدي الكبير والهام، انخراطا قويا وتنسيقا دائما بين مجموع الشركاء المحتملين، من وزارات وجماعات محلية ومنظمات غير حكومية ومتدخلين من الخواص وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ.

كما أنه من الأهمية بمكان ضرورة بلورة استراتيجبة وطنية واضحة، واقعية وقابلة للتنفيذ والتمويل، لتطوير التعليم الأولي وتعميمه وتجويده بمختلف الجهات لفائدة مختلف الفئـــات
و الشرائح الاجتماعية، يتقاسم الجميع أهدافها ومراميها وينخرط الكل في تنزيلها وتفعيلها.

ولكون الأوساط القروية و المناطق الفقيرة والهامشية بالمدن غير جذابة للمتدخلين والمستثمرين الخواص، فإن تدخل الدولة يبقى أمرا ضروريا لتوسيع العرض التربوي من التعليم الأولي بهذه المناطق ، وذلك بتوفيرالفضاءات والموارد البشرية اللازمة.

وبخصوص الكتاتيب القرآنية التقليدية المنتشرة بالمداشر والدواوير بالأوساط القروية ، يجب التفكير في تحديث العمل التربوي بها ، وجعلها تستجيب لخصوصيات أطفال ما قبل التمدرس، وترشيد دور المربي ( الفقيه) وجعله قادرا على إعداد الأطفال للاندماج في البيئة المدرسية؛ وذلك بالتكوين وإدخال إصلاحات تمس بعض الجوانب المادية والتنظيمية بهذه الكتاتيب، وتلقين روادها إضافة إلى تحفيظ سور من القرآن الكريم وتلقين المبادىء الأولية في الدين والأخلاق الإسلامية، معارف أخرى كالقراءة والكتابة ومبادىء الحساب، علاوة على أنشطة أخرى كالتلوين والرسم واللعب الحرالهادف والموجه.

اما تجاوز النقص المسجل في تكوين المربين والمربيات، فإن الأمريقتضي بذل جهود كبيرة
و متواصلة في هذا المجال ، لكن يجب الانتباه إلى مشكل عدم استقرار المربين بالمهنة لأسباب متعددة منها ضعف الأجرة. ولرسملة هذا التكوين واستدامة الاستفادة منه، فإنه من الأجدر الاهتمام أكثر بتكوين مسؤولي مؤسسات التعليم الأولي والشباب الراغب في الاستثمار في هذا المجال مع تشجيعهم وتقديمهم الدعم والتسهيلات المختلفة والممكنة.

ولتطويرتدبيرهذا القطاع الأساسي في المنظومة التربوية الوطنية وتخطي نواقصه، فإنه من الهام إحداث بنية وطنية مستقلة تعني بحكامة التعليم الأولي، يكون من مهامها الرئيسية تأطير وتتبع القطاع وتنسيق جهود مختلف الفاعلين فيه.

 

[i] وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني( مديرية الإستراتيجية والإحصاء والتحطيط): موجز إحصائيات التربية 2013-2014، ص: 26

اترك تعليقاً

Close Menu