مأزق حرية التعبير

مأزق حرية التعبير

 

إعداد: عبدالغاني كرومي

( باحث بالمركز )

حرية التعبير : مطلقة  أم لها ضوابط؟  

هل يمكن القول أنه كلما تدخلت السياسة في شيء إلا وأفسدته بدل أن نقول زينته؟ سؤال قد ينطبق اليوم على حالة حرية التعبير. يدعي بعض أدعياء الصحافة أنهم أحرار، يقولون مايشاؤون، لكن الحقيقة ليست كذلك. نعم، في حق الشعوب المستضعفة والناس البسطاء ربما يقولون ما يخطر وما لا يخطر على بالهم، لكن أمام جبروت الدول وهيمنة الامبراطوريات ينتقون كلامهم بدقة، وينتظرون في الطابور الإفراج عن بعض المعلومات من الجهات الرسمية ليتداولوها، فأين هي حرية التعبير؟ لماذا تقديس الروايات الرسمية، أليست الصحافة سلطة رابعة تسوس الساسة بدل أن يسوسوها؟

عندما تعرضت فرنسا لما تعرضت له يوم 7 يناير 2015، قالت السلطات الفرنسية الرسمية، وقالت الصحافة الفرنسية، وقال من قال، حرية الصحافة جوهر القيم الديموقراطية لمجتمعنا هي المستهدفة، لن نتراجع، ولن نخاف، وأعاد بعضهم نشر الرسوم المسيئة لأصحابها، لأن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أشرف وأطهر وأنبل من أن يمسه متعصبون طامعون في الشهرة والمال. لكن عندما تدخل وزير الداخلية الفرنسي وأثنى على الصحافة وعلى حرية الصحافة، ثم أردف بطلب كريم للسلطة الرابعة التريث وترك زمام الأمر للأجهزة الأمنية وللمخابرات للقيام بعملها، لأن الظرف جد ولايحتمل حرية التعبير، انتظم الجميع وسكت عن الكلام المباح. وهنا مأزق حرية التعبير، من أجل 66 مليون فرنسي، سكتت الصحافة، ولم يتحدث أحد عن استهداف إحدى قيم الثورة الفرنسية، ألا وهي الحرية، لكن عندما تم التهجم على مقدسات حوالي مليار ونصف مسلم اعتبر الأمر حرية تعبير نافحت عنه الدولة الفرنسية الرسمية وكثير من المنابر الإعلامية، وقليل هي المنابر التي أدانت هذا الأمر وميزت بين حرية التعبير وبين بث الكراهية والمس بالمعتقدات والأديان.

اليوم، وبعد الذي وقع، نتساءل عن معنى حرية التعبير، عن حدود حرية التعبير وعن تدخل السياسة في حرية التعبير؟

نعم، إن حرية التعبير نضال ومعركة خاضها رجال ونساء أشداء، وانتزعوها انتزاعا. على أجيالنا الدود والمناكفة عنها، لكن عليها أيضا المحافظة على طهرها ورسالتها. فهي انتزعت لتحارب الفساد، ولتقول لا للاستبداد، ولتدافع عن المظلومين والمقهورين، وما أكثرهم في عالم اليوم. ألم تشاهدوا شعبا ممزقا داخل وخارج وطنه؛ ألم تشاهدوا،  وأنتم تنعمون بالدفء أطفالا يموتون من البرد؛ ألم تسمعوا عن طائرات بدون طيار تقتل مدنيين؛ ألم تسمعوا وتشاهدوا كيف قلبت الطاولة عن شعوب آمنت باختياراتها ولم تؤمن باختيارات أمليت عليها؛ ألم تسمعوا عن أناس يموتون كل مرة في عرض البحر؛ ألم تشاهدوا كل مآسي عالم اليوم؛  أم أن هؤلاء لابواكي لهم؟ أليست السياسة والساسة من قتلهم ؟  فأين الصحافة والصحافيون حتى يبق  لهم فقط “طابوا” المعتقد والدين والقيم ليخوضوا فيه، وهم يعلمون أنه إن ضاع هذا الدين وهذه القيم التي أتت لتحمي هذا الانسان من ظلم أخيه الإنسان، فلن بضيع سوى الانسان؟

إن الصحافة رسالة نبيلة، وهي لصيقة بهموم الشعوب والمقهورين، لذا مطلوب من القائمين عليها أن لاينحرفوا عن البوصلة، فالشعوب لاتريد استبدال القهر والاستبداد بدكتاتورية الكلمة. كما أن حرية التعبير، وإن اعتبرت رمز قوة واستقلالية الصحافة، فهي في نفس الآن مسؤولية في أعناق أصحابها. فلم يسلم أحد من المفكرين بإطلاقها، وحتى الفيلسوف جون ستيوارت ميل [1] الذي كان من أوائل من نادوا بحرية التعبير عن أي رأي مهما كان هذا الرأي، فقد قرنها بعدم “إلحاق الضرر” بشخص آخر.

فرنسا التي تقود اليوم هذه المعركة الخاسرة ضد حوالي مليار ونصف مسلم بحجة حرية التعبير ومواجهة الإرهاب تخسر قيمها قبل أن تخسر المسلمين، الذين يشكل جزء منهم نسبة مهمة من شعبها. فأين هي الحرية عندما طردت الصحيفة، موضوع الجدل، رسام الكاريكاتير سيني سنة 2008، لأنه نشر عموداً يسخر فيه من ابن رئيس فرنسي سابق؟ وأين هي العدالة عندما سمحت بإهانة معتقدات المسلمين تحت دريعة حرية التعبير، وحاكمت بتهمة معاداة السامية من يشكك في الهلوكوست؟ وأين هي الأخوة عندما جعلت جزء من مواطنيها يشعرون أن دينهم  ومعتقدهم مستهدف ويتعرض للإزدراء والاحتقار؟

إن حرية التعبير ليست تحقيرا ولا ازدراء، وليست سبا ولاشتما، بل هي التزام بعدم المس بحقوق وحريات الغير وباحترام هذه الحقوق والحريات، طبقا لماجاء في المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، وهي قيمة حضارية تعبر عن مكنون ممارسها، فكلما أحسن توظيفها ارتقى، وكلما أساء استغلالها تدنى. أما الاستفزاز بمحاولة النيل من شخص النبي الكريم، فلن يزيد المسلم إلا حبا وتشبتا واتباعا لهذا الرسول الرحمة المهداة، العظيم ليس بصفته البشرية، ولكنه بصفته مرسلا من رب العالمين.

:خاتمة

أيها الصحافيون إن رسالتكم أمانة فلا تفسدوها.  فمصير من ينغمس منكم في هموم وتطلعات شعبه قد يطاله ماقد يطال شعبه أو شعوبا تواقة للحرية من ألم، والسنوات الأخيرة وفي مختلف بقاع العالم، خير شاهد على ذلك، حيث سطر العديد من أبناء مهنة المتاعب ملاحم بدمائهم وأشلائهم ، لكنه سيظل رمزا على مر الزمن لأنه حمل أمانة الكلمة، أما من انسلخ عن رسالته فمصيره أن ينسى ويلفظ من ذاكرة الشعوب، ولكم الاختيار.

[1]  جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill)    1806 – 1873

اترك تعليقاً

Close Menu