ظاهرة العنف  المدرسي

ظاهرة العنف المدرسي

من إعداد: د عبد العزيز رشدي

باحث بالمركز

:تقديم

إن ظاهرة العنف لم تعد تقتصر اليوم على استهدافها للمجتمع والأفراد والأسر، خاصة في الأوساط الفقيرة والمهمشة، ولكن أصبحت كذلك تكتسح الوسط التربوي،وهي ظاهرة كانت إلى عهد قريب غريبة عن المؤسسة التعليمية والتربوية باعتبار هذه الأخيرة مؤسسة للتربية على الأخلاق والقيم النبيلة والتوعية وتربية النشء الصالح المتشبث بالقيم الحية والمواطنة الحقة.

فالمدرسة العمومية اليوم أمام تحديات كبرى على مستوى التكوين وتكريس قيم المواطنة والتربية على حقوق الإنسان، فهي تعتبر حلقة أساسية في بناء مشروع تنموي يقاوم التخلف والأمية ، هذه التحديات تفرض عليها التصدي لكل المظاهر السلبية التي تنتشر في الوسط التربوي من قبيل ( استعمال المخدرات .. العنف والهذر المدرسي ..إلخ).

أصبحت ظاهرة العنف المدرسي من المظاهر المقلقة والدخيلة على المؤسسة التربوية مند مدة ليست بالقصيرة، والصحف الوطنية تطالعنا من حين لأخر بأحداث من هذا القبيل، وهذا أمر حقيقة يسيء كثيرا للمدرسة المغربية بل يهدد مستقبل العملية التربوية برمتها.

والعنف كما عرف في النظريات المختلفة: هو كل تصرف يؤدي إلى إلحاق الأذى بالآخرين، قد يكون الأذى جسمياً أو نفسياً. فالسخرية والاستهزاء من الفرد وفرض الآراء بالقوة وإسماع الكلمات البذيئة جميعها أشكال مختلفة لنفس الظاهرة

الفرع الأول: أشكال العنف المدرسي

يمكن رصد أشكال العنف المدرسي في العنف المادي والعنف الرمزي أو المعنوي؛

أولا: العنف المادي

   يتجلى العنف المادي في الصور التالية؛

  • اشتباكات التلاميذ فيما بينهم التي قد تصل إلى ممارسة العنف بدرجة خطيرة قد تصل أحيانا إلى القتل
  • الضرب والجرح والاعتداء
  • استعمال السلاح الأبيض والتشهير والتهديد به
  • التدافع القوي بين التلاميذ في الساحات في أوقات الخروج من المدرسة
  • إتلاف ممتلكات المدرسة ( النوافذ والكراسي والسبورة وتخريب المرافق الرياضية)
  • تفشي السرقة بين التلاميذ

ثانيا : العنف الرمزي أو المعنوي؛

يتجلى العنف المعنوي في الأشكال التالية؛

  • التفوه بالكلام النابي بين التلاميذ بعضهم البعض واتجاه الأساتذة
  • السب والشتم والقذف والتحرش
  • استعمال الإيماءات والحركات الاستفزازية
  • الكتابة على جدران الحجرات وغيرها من المرافق الأخرى…

ويمكن القول أن العنف المدرسي اليوم في تزايد، وهذا ما يظهر من قرارات الفصل التي أصبحت تتخذها المجالس التأديبية في عدد من المؤسسات التعليمية .

الفرع الثاني: عوامل وأسباب العنف

إن حدة العنف اليوم في المدرسة بادية للعيان ، فقد باتت الأوضاع الأمنية بالمؤسسات التعليمية تدعو للقلق ، وهي ظاهرة تكاد تمس أغلب هذه المؤسسات لأنها مرتبطة في نظر العديد من الباحثين بعدة عوامل، نذكر الأهم منها:

أولا: العوامل الاجتماعية

تكثر ظاهرة العنف المدرسي في المناطق المعزولة، وكذلك في الأحياء الهامشية، إذ تظل الظروف الاجتماعية من أهم الأسباب التي تدفع التلميذ لممارسة العنف داخل المؤسسات التعليمية، وتتجلى أساسا في ضعف المستوى الاقتصادي، انتشار أمية الآباء والأمهات، ظروف الحرمان الاجتماعي والفقر والقهر النفسي والإحباط، التوتر والتصدع داخل الأسر، أساليب التربية الخاطئة،الوضع المهني للأبوين، ظروف السكن والاكتظاظ السكاني ..وغيرها من العوامل التي تجعل هؤلاء التلاميذ عرضة لاضطرابات ذاتية تجعلهم غير متوافقين مع محيطهم الاجتماعي، مما ينعكس سلبا على نفسيتهم ، ويدفعهم بالتالي إلى ممارسة العنف على زملائهم وأساتذتهم في المدرسة.

هذا بالإضافة إلى الانحراف الأخلاقي لعدد من التلاميذ الذي يجعلهم أكثر قابلية للعنف في الوسط المدرسي.

ثانيا : العوامل النفسية؛

إن التلميذ العنيف هو انعكاس للبيئة التي يعيش فيها، أي يتفاعل مع المحيط الاجتماعي الذي يحتضنه، فإذا كان الوسط ملائما كان التلميذ سويا والعكس صحيحا. فالتنشئة الاجتماعية تلعب دورا كبيرا في اكتساب الطفل خصائص نفسية، ويجعله يحمل تصورات معينة عن الواقع الذي يعيش فيه، ومن ثم فالأسرة والشارع والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية تلعب دورا محوريا في تحديد شخصية التلميذ، وفي إنتاج سلوكات أو ميولات معينة، والتي قد تكون أحيانا عنيفة اتجاه نفسه والآخرين.

والمؤسسة التعليمية تشكل جزءا من المحيط الذي يعيش فيه التلميذ، وبالتالي تتأثر بالبيئة الاجتماعية المحيطة بها.

ثالثا :العوامل التربوية؛

تتجلى العوامل التربوية في الجوانب التالية؛

  • إن العلاقة التربوية الموجودة بين الأستاذ والتلميذ اليوم تطرح تساؤلات كبيرة، بحكم الثقافة التي تحكم هذه العلاقة هل هي ثقافة اللامبالاة والعنف والنفور ..أم هي ثقافة الحوار والتعاون ، وبالتالي فهذه الثقافة الموجودة تنتج سلوكيات وردود أفعال معينة لدى التلاميذ إزاء أساتذتهم .
  • استخدام العديد من المدرسين أسلوب السخرية والاستهزاء من أقوال وأفكار التلميذ.وهذا فيه انتقاص للتلميذ الذي له كيانه وشخصيته اللذان يوجبان معاملته باحترام .
  • عدم الاهتمام بالتلميذ وضعف الاكتراث به مما يدفعه إلى استخدام العنف ليجر الأنظار إليه .
  • الاعتماد على أساليب التلقين والطرق التقليدية،مما يخلق نفورا لدى التلاميذ ويولد لديهم الإحباط من جو التدريس والمدرسة عموما.
  • مدى فعالية وسائل الضبط المستخدمة في تقويم اعوجاج التلاميذ، ومدى قدرتها على التأثير والتقويم .
  • ظاهرة الاكتظاظ في الأقسام ، وعدم المساواة أحيانا في التعامل بين التلاميذ.
  • مشكلة البرامج والمناهج التربوية ومدى قدرتها على تحفيز التلميذ من أجل البحث والتحصيل ، لأن الأساس هنا أن ما يقوم به التلميذ من عنف هو النظرة الثقافية السائدة اتجاه المدرسة وانعدام الشروط المادية وغموض الآفاق وانعدام الشغل…

الفرع الثالث : بعض المقترحات لتجاوز ظاهرة العنف المدرسي

إن المدرسة المغربية اليوم في حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى مربين واعين بمهام المسؤولية التربوية القادرين على استخدام آليات الإبداع والعطاء والتفاعل الإيجابي مع التلاميذ بالحوار الجاد والتواصل والتعاون البناء معهم، و تغيير السلوكيات اللاعقلانية والعنيفة إلى سلوكيات مهذبة من أجل تربية التلميذ على الاستقامة والنظام والاحترام المتبادل، وحفزه على العطاء والنجاح في مستقبله الدراسي، كما أن مهام الإدارة التربوية احتواء السلوكيات غير التربوية وتذويب الخلافات التي تقع في الفضاء المدرسي، مع القدرة بدراسة المشاكل والانتقال إلى تطوير المشاريع القادرة على تجاوز العنف وحصره في نطاق ضيق.

وهذه جملة من المقترحات التي يوصي بها علماء الاجتماع والتربية والنفس لأجل تجاوز ظاهرة العنف المدرسي

  • أهمية فتح الحوار الهادئ مع التلميذ المتصف بالسلوك العنيف.
  • ضرورة توظيف الدعم الاجتماعيوالسيكولوجي، فالمطلوب هو تكاثف الجهود بين الفاعلين التربويين والوزارة المعنية بالتعليم وأولياء الأمور من أجل التخفيف من حدة هذه الظاهرة.
  • إعادة النظر في الوظائف التربوية للمؤسسة التعليمية التي تتأسس على الرفع من مردوديتها وغاية التكوين فيها، مع ضرورة التفكير في مآل المكونين بها كصيغة تحكم إلى حد بعيد انضباط التلاميذ من خلال آلية الردع والتحفيز.
  • تقوية وظيفة حراسة المؤسسة أصبحت ضرورة ملحة تحتاجها المؤسسات التعليمية، من خلال مد القائمين على الحراسة بكل الوسائل الكفيلة بحراسة أمن المؤسسات وتمتيعهم بالحماية القانونية والاجتماعية ، وذلك حتى يتسنى لهم أداء مهامهم على الوجه المطلوب ، والقيام بصيانة مختلف الأدوات التربوية والتقنية والمرافق والمحتويات المدرسية حتى لا تتعرض للإتلاف أو السرقة أو التخريب.
  • نشر المرشدين والمساعدين التربويين في المدارس لتوجيه سلوك التلاميذ وفهم مستوياتهم وحل مشاكلهم بأساليب تربوية حديثة بعيدا عن الأساليب القديمة. وذلك باستخدام مهارات التواصل الفعالة القائمة علي الجانب الإنساني والتي من أهمها حسن الاستماع والإصغاء وإظهار التعاطف والاهتمام.
  • تزويد الكتب المدرسية بكل ما هو قيمي أخلاقي، وتحبيب الوطن والوطنية للأجيال الناشئة والتأكيد على احترام الغير.
  • التفكير في التعاقد مع وزارة الصحة لوضع متخصصين في الطب النفسي رهن إشارة المؤسسات التربوية، للوقوف على الحالات المرضية ومعالجتها.

– عمل ورشات ولقاءت تشرف عليها الإدارة التربوية ويحضرها أخصائيين اجتماعيين ونفسانيين وأولياء الأمور لبيان أساليب ووسائل التنشئة السليمة التي تركز علي منح الطفل مساحة من حرية التفكير وإبداء الرأي والتركيز على الجوانب الإيجابية في شخصية الطفل.
– خلق ورشات عمل للمعلمين والمعلمات يتم من خلالها مناقشة خصائص كل مرحلة عمرية والمطالب النفسية و الاجتماعية لكل مرحلة.
– إتاحة حيز زمني مهم لجعل التلميذ يمارس العديد من الأنشطة الرياضية والهوايات المختلفة.

–   التحفيز المادي المعنوي للموارد البشرية التي تعنى بهذه الظاهرة

–   التنسيق بين السلطات الأمنية والمؤسسة

–  وضع خلايا لليقظة

–   تركيز ثقافة الحوار والابتعاد عن العنف

–   دعم الممارسات المبنية على الحوار وشجب الممارسات العنيفة.

اترك تعليقاً

Close Menu