المهدي المنجرة …هرم  فكر شامخ

المهدي المنجرة …هرم فكر شامخ

من إعداد: د. عبد العزيز رشدي

(باحث بالمركز)

يعتبر الأستاذ المهدي المنجرة رحمه الله من الشخصيات الفكرية الفدة التي تركت بصمة كبيرة في الفكرالإنساني ، فهو يعتبر مثقفا عضويا موسوعيا في شتى مناحي المعرفة، عرف بأصالة المبدأ ونزاهة الفكر وهب حياته رحمه الله للدفاع عن قضايا حقوق الإنسان وحق الشعوب العربية والإسلامية في التحرر الفكري والاقتصادي والسياسي والثقافي، ودافع بجرأة منقطعة النظير عن حق هذه الشعوب في الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية .
لازلت أتذكر يوم زيارتي له بمكتبه بحي أكدال بالرباط يوم استقبلني كان رجلا في غاية التواضع ، تبادلنا الحوار في مواضيع شتى كنت مشدودا لكلماته ونبراته الحادة ، تحدث عن الوضع المغربي آنذاك وعن الجامعة المغربية وكيف أن دورها في إنتاج المعرفة بات يعرف تراجعا كبيرا، وأن التعليم في بلادنا أصبح نخبويا وقال لي بالحرف أنه لم تطأ قدماه الجامعة المغربية مند أن تم وضع ما يسمى بالإصلاح الجامعي ، كما تحدث عن التعمير والفن المعماري ، فكنت حقيقة أجد متعة كبيرة وأنا أحاور هذا الهرم الفكري الشامخ.
ترك الأستاذ المنجرة رحمه الله زخما فكريا واسعا في موضوعات متنوعة .فقد كتب عن الحرب الحضارية الأولى، وعن قضية فلسطين، وكدا عن حوار التواصل والعولمة أو ما يسميها بالهيمنة الغربية الجديدة ، وكتب عن الانتفاضات فالراحل كان له دور بارز في التنبؤ بثورات الربيع العربي ، ففي كتابه المثير انتفاضات في زمن الذلقراطية ، تحدث فيه على أن الجهل والتفقير والتخلف وغياب الديمقراطية وهي التي ستؤدي حتما إلى انتفاضات الشعوب العربية على هذا الوضع ، الذي لا يمكن أن يبقى للأبد. وأنه سيأتي اليوم الذي تتحقق فيه الكرامة والعدالة الاجتماعية، كما كتب عن الاهانة في زمن التطور الحضاري الهائل وبروز الشركات المتعددة الجنسيات ، كما كتب عن أسس تطوير التعليم والاقتصاد والثقافة والفن في بلادنا …إلخ.
فمن خلال إطلاعي على بعض من شذرات فكر الراحل ، استنتجت بعض الأفكار القوية والنيرة التي تؤسس لاستشراف مستقبل مضيء ساطع تحمل معها كل مقومات التغيير الايجابي الكفيل بإسعاد الإنسان وتحريره من قيود الهيمنة والاستغلال وتمكينه من العيش في ظل الكرامة.
فالهدف من وراء كتابة هذه السطور هي إثارة بعض الأفكار التي سطرها الراحل في مساره الحافل بالعطاء الفكري، ووضعها بين يدي القارئ ،
وهذه بعض من أفكاره ألخصها في النقط التالية :

أولا: تأصيل لظاهرة العولمة ولأبعادها الثقافية:

يرى الأستاذ المنجرة أن العولمة هي اصطلاح يرادف الأمركة ، وهي نظرة سياسية استعمارية جديدة تهدف إلى الحفاظ على مصالح مبتدعيها على حساب تعميق أزمات شعوب العالم الثالث عن طريق الضغط العسكري والاقتصادي وفرض أساليب الحكم بهذه المجتمعات وكدا عن طريق الشركات المتعددة الجنسيات التي تملك المال والسلطة والقوة ، فهو لاينفي العولمة والتطورات الحاصلة في العالم، ولكن الفكرة الأساسية عنده أن تظل لنا قيمنا وهويتنا وقرارنا الاقتصادي والاجتماعي والثقافي…لأن العولمة هي عبارة عن سوق تفرض علينا قيم أخرى قادمة من بلدان أخرى ، فالتعاون والتعامل مع الآخر مطلوب شرط أن يظل لنا كياننا الخاص بنا.

ثانيا : فكرة الحوار الحضاري الثقافي :

في هذا الإطار يرى المهدي المنجرة أن الحوار الحضاري هو حل ضروري وجوهري في ظل الصراع بين الشمال والجنوب، وأن الحوار يتطلب التواصل ولاسيما التواصل الثقافي وان يكون هناك تفاهم متبادل واحترام لقيم الآخرين .
وقد تشبت بفكرة أن أسباب الصراعات المستقبلية ستكون بالأساس ذات طبيعة ثقافية وحضارية لأن التنمية والتطور الحضاري الذي عرفته بعض الدول العربية والإسلامية أصبح يقلق الدول العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها.
و استعماله مصطلح الحرب الحضارية هو دو هدف وقائي وليس عدواني ، فرسالته بان حرب الخليج هي أول حرب حضارية هو تنبيه كذلك إلى أن الحروب القادمة ستكون كذلك إذا لم يتم الإشتغال على واجهة التواصل الثقافي .
ويخلص إلى أن المصدر الرئيسي للنزاع في العالم الجديد لن يكون اقتصاديا أو إيديولوجيا بل ثقافيا بالأساس.

ثالثا : محورية القيم عند المهدي المنجرة:

يعتبر الأستاذ المنجرة أن القيم أساس الثقافة وأي حضارة ، وأن التنمية الثقافية لا تتبلور إلا من خلال الدينامية الداخلية للمجتمع والحفاظ على منظومة القيم التي هي أساس كل ثقافة حقيقية.
والفكرة الجوهرية عند الراحل أن القيم هي أساس قوة كل الشعوب ودوامها ، وأن ما يعيشه العالم العربي والإسلامي من أزمات هي أزمات قيم، أي أزمة أخلاق في العمق قبل أن تكون سياسية أو اقتصادية، وتجليات ذلك أنه عندما تتحول السياسة عندنا إلى مجال للانتهازية والكسب والتهافت على الكراسي، و التعليم والتربية عندما تنعدم فيهما الأخلاق وتصبحان مجالا للربح والاستثمار، وعندما يتم تبخيس دور المربي والقدوة والعالم فإن جدار المعاني والقيم تتلاشى .ونفهم من حديثه رحمه الله عن القيم أن الاشتغال لأي أمة ينبغي أن يكون لبناء الإنسان قبل بناء الجدران ، كما ينبغي الاهتمام بتعليمه ومعرفته وتربيته التربية الصحيحة السليمة حتى يكون عضوا فاعلا ومساهما في تنمية وطنه وبلده.
ومن زاوية العلاقات الدولية يرى المنجرة أن العالم الغربي الذي عرف اليوم تطورا وقوة في شتى المجالات ، يعرف أزمة على مستوى القيم فالعديد من الدول الغربية التي نصبت نفسها حامية لحقوق الإنسان ، نراها تنتهك هذه القيم بشكل سافر في مناطق عدة من العالم العربي والإسلامي بدون حسيب ولا رقيب .
فهو يرى أن مستقبل الإنسانية سيكون بلا ريب رهينا بالقيمة التي سنمنحها للإنسان بدون تمييز في إطار احترام متبادل للقيم باعتبارها تضمن للإنسانية استمراريتها وبقاءها في ظل الكرامة.

رابعا : الرؤية وشروط النهضة عند المهدي المنجرة :

للرؤية مفهوم خاص عند الأستاذ الراحل فهو يرى أنه بدون رؤية تكون المجتمعات كمن يركب سفينة دون أن يعرف أين سيتجه في خضم البحر، كما أن شرط نهضة مجتمعات العالم الثالث متوقفة على هذه الرؤية أو ما يصطلح عليه بالمشروع المجتمعي .
فأزمة العالم الثالث هي أزمة حضارية في الوقت الحالي توضح غياب الرؤية ، بمعنى أنهلا توجد رؤية بإمكانها تجنيد البشر ورسم الطريق أمامهم ، ومن دون هذه الرؤية لا يمكن للحلم أن يتجسد ، وبدون حلم لا يمكن للإبداع أن يتطور وينمو.
فمن دون رؤية لا يمكن أن تكون لك استراتيجية، ومن دون استراتيجية لا يمكن أن تقيم برنامجا ومن دون برنامج لا يمكن أن تكون هناك مشاركة وحرية وديمقراطية لتنفيذ ذلك البرنامج، فالرؤية والخطة والإستراتيجية مفاتيح التنمية .
وهكذا فعندما مثلا يتحدث الرجل عن انسداد أفق المدرسة بالمغرب، وتدني مستويات التعليم والبحث العلمي، وتردي وضع الصحة، وتيه الفرد والجماعة، فلأنه يدرك أن الأمر غير مؤطر برؤية، وغير مبني على تصور، بقدر ما يرتكز على التسيير الآني ذي الطبيعة العشوائية والحلول الترقيعية.
فالرؤية عنده أن تكون ناتجة عن نوع من المشاركة والتواصل الحقيقي داخل المجتمع، أو ما يسمى اليوم بالحكامة أي تضافر جهود كل المؤسسات الحكومية للنهوض بقطاع معين كما هو الحال بقطاع التعليم لتتم معالجة كل الإشكاليات في إطار شمولي.
أما عن شروط نهضة بلدان العالم الثالث فهي تتوقف في نظره على إقامة نموذج تحديثي نابع من الذات، والاهتمام بالثقافة لأنها إحدى المحركات الأساسية في عملية النهضة والتنمية واستخدام خلاق للتكنولوجيا الإعلامية الجديدة ، إضافة إلى توفير جو من الحرية لأصحاب المواهب العلمية والتقنية لأجل الإبداع والعطاء.
كما يرى ضرورة الاهتمام بالعنصر البشري والكفاءات العلمية كأساس للتنمية، وإعطاء الأولوية للعمل والتكنولوجيا والاهتمام بالقيم الحضارية واللغات الأصلية، ونهج سياسة الاعتماد على الذات. والرؤية الهادفة إلى التغيير الشامل حسب الأستاذ المهدي تنطلق من محاربة الأمية ، وتعميم التعليم باللغة الوطنية عوض محاربة المعرفة ، إذ ليس هناك أي دولة في العالم ذهبت بعيدا في ميدان البحث العلمي ، وصارت قوة تكنولوجية بدون الانطلاق من لغتها الوطنية …ويسوق مثالا عن دولة اليابان التي تعتبر اليوم ثاني قوة اقتصادية في العالم التي قضت على الأمية في ظرف 25 سنة أي بعد ثورة الميجي في عام 1868، انطلقت نهضتها من الاهتمام باللغة الوطنية والاستثمار في المعرفة البحث العلمي، والحفاظ على القيم .

خامسا: محورية التنمية عند المهدي المنجرة :

يرى الأستاذ المنجرة أن التنمية ظاهرة داخلية ذات علاقة بالمجهود الذاتي لأبناء المجتمع ، ويضيف أن ضعف التنمية مرده إلى هيمنة الغرب من خلال تكريس برامج التعاون الدولي ، مما يعيق سياسة التنمية في البلدان النامية لذلك نجده يدعو إلى عدم قبول مساعدات الغرب ومواجهة سياسة الهيمنة.
ويرى أن التخطيط لعملية التنمية ينطلق من مسألتين وهما التوقع والنظرة المستقبلية (20 سنة فأكثر)، وبذلك يعتبر أنه من الصعب التعامل مع إشكالية التنمية بدون نظرة مستقبلية تتيح صياغة الأهداف، ووضع سبل تحقيقها، وتصحيح الاختلالات متى وجدت.
ومفاتيح التنمية عنده هي مجموعة من الآليات تتجلى في المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا والكفاءة والابتكار والمجازفة والرؤية والحلم.
إن التنمية تنبعث أساسا من إعطاء الأولوية للموارد البشرية لأنها الرأسمال الثمين، وهذا لن يتأتى إلا من خلال التركيز على التعليم باعتباره بوابة كل تنمية وتطور . لكن بالمقابل يرى أن النموذج التنموي المفروض من الخارج قد فشل ، لذا ينبغي التفكير في إقامة نموذج آخر بطريقة ديمقراطية، يتطلب حدا أدنى من المشاركة والعدالة الاجتماعية .
وحسب المفكر الراحل فاليوم قد ولجنا مجتمعا معرفيا جديدا لم تعد فيه قيمة كبرى للسلع والمواد الخام واليد العاملة والمعامل الضخمة بقدر ما أصبحت تتمثل في مهارات الموارد البشرية والاهتمام بالبحث العلمي، ويضع تصورا شموليا لبناء مغرب قوي وتنموي، ويتجلى ذلك في الخطوط العريضة التالية :
– القضاء على الأمية والفقر والجهل وردم الهوة الساحقة بين من يملكون الثروة وبين من لا يملكونها
– بناء ديمقراطية حقيقية من شأنها رفع مستوى عيش المواطنين
– الاعتماد على الذات وتقليص حجم المساعدات الأجنبية
– إيلاء أهمية للقيم الثقافية كرافد أساسي للتنمية
– تشجيع البحث العلمي والابتكار والإبداع
– تنمية وتشجيع اللغة الوطنية والرفع من شأن اللغات الأصلية الجهوية.
ونختم بالقول أن الراحل يعتبر مدرسة فكرية ، مدرسة للحاضر والمستقبل تتجسد فيه قيم الديمقراطية والمواطنة ، وقد آن الأوان لأجل الاستفادة من مشروعه الفكري الغزير، فما أحوجنا وأحوج هذه الأجيال الحاضرة واللاحقة لتوجيهاته ونصائحه وفكره ، فكم يحز في النفس أن علمه تستفيد منه بلدان أجنبية ونحن لا نهتم به . وأتمنى أن تبادر الجهات الحكومية أو منظمات المجتمع المدني بتخصيص جائزة تحمل اسم المهدي المنجرة ، أو إحداث مؤسسة باسمه حتى يبقى خالدا للأجيال والتاريخ.

أهم المراجع المعتمدة:

1– المهدي المنجرة انتفاضات في زمن الذلقراطية البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع 2001 ؛
2 – عبد الكريم غريب: مع المهدي المنجرة منشورات عالم التربية مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ؛
3 – المهدي المنجرة : الإهانة في عهد الميغا إمبريالية الطبعة الرابعة مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء  2005
4 – المهدي المنجرة- قيمة القيم – مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، طبعة أولى  2007

 

اترك تعليقاً

Close Menu