الالتزام بالمقاربة التشاركية شرط أكثر من ضروري لإصلاح التعليم

الالتزام بالمقاربة التشاركية شرط أكثر من ضروري لإصلاح التعليم

إعداد: الطيب سوزان

(باحث بالمركز)

إن المسألة التعليمية قضية وطنية مركزية وركيزة أساسية لكل تنمية بشرية مستدامة غايتها ووسيلتها المواطن، فهي ورش مصيري واستراتيجي في تقدم وتحديث ودمقرطة مجتمعنا.

ويعد النهوض والرقي بمنظومة التعليم مهمة تقع بالدرجة الأولى على عاتق الفاعلين التربويين المباشرين، وبما أنه شأن يهم الجميع فإن الأمر يجعل هذه المهمة مسؤولية مجتمعية ، تقتضي مساهمة  الجميع في دعم تطويره و إصلاحه.

لقد مر أزيد من عقد من الزمن على انطلاق تنفيذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي كان ثمرة جهد واجتهاد جماعيين ونتيجة توافق وطني، وشكل قفزة نوعية في مسار تعليمنا وإطارا مرجعيا شاملا لإصلاحه وتقويمه. هذا الميثاق برأي فاعلين تربويين وباحثين ومهتمين بالشأن التعليمي، ما زال يحتفظ براهنيته ونجاعته ويتطلب  تحيينات واغناءات يتعين إدخالها عليه في ضوء المستجدات وانطلاقا من الدروس والعبر المستخلصة من سيرورة تفعيله، وفي ضوء المستجد الدستوري والتحولات والتغيرات التي عرفها المجتمع.

وعلاقة بهذا الموضوع وفي خضم النقاشات والتحليلات والكتابات التي أعقبت وأثارها الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الستين لثورة الملك والشعب،  فإن الأمر يدعو ويفرض القيام بتحليل عميق وهادئ وموضوعي لوضعية وواقع نظامنا التعليمي، لتقييم منجزاته وتحديد مكامن ضعفه واختلالاته، قصد رسملة وترصيد وتعزيز مكتسباته، وتدارك تأخرا ته، وتجاوز تعثراته، والرفع من أدائه ومردوديته الداخلية والخارجية وتحسين جودته.

  إن إعداد مشروع إصلاح جديد للتعليم، يتقاسم الجميع أهدافه الاستراتيجية والخاصة والعمليات والإجراءات والآليات والموارد الضرورية لبلوغها، وكذا مؤشرات تتبعها وقياسها وتقويمها ، ليتطلب مما يتطلب إشراك حقيقي وتعبئة فعلية للجميع لبلورة هذا المشروع  مادام التعليم شأن الجميع كما يراد له أن يكون وليس شأن السياسيين وحدهم أو التكنقراط أو الإدارة المركزية ، وخاصة إشراك الفاعلين المباشرين فيه بمختلف وظائفهم ومواقعهم ومجالات تخصصاتهم، لاسترجاع وكسب ثقتهم في الإصلاح وتثمين والاستفادة من خبراتهم المتعددة والغنية في مجال التعليم وتشجيعهم وتحفيزهم على الانخراط  في تنزيله وتنفيذه وتتبعه وتقويمه.

ولتحقيق هذا المبتغى، فإنه من الأهمية بمكان ومن المفيد تنظيم سلسلة من المنتدىات، تنظم تصاعديا، على مستوى المؤسسات التعليمية، وعلى المستوى الإقليمي والجهوي والمركزي، وتنتهي بتنظيم منتدى  وطني يجمع مختلف مكونات المجتمع؛ وذلك لفتح  نقاش واسع مسؤول وجدي، موضوعي وصريح  وديمقراطي حول التعليم، وللقيام  بتشخيص جماعي عميق للوضعية الحالية للتعليم يلامس ويحدد مشكلاته الحقيقية، ولاقتراح حلول واقعية نابعة من الممارسة والتجربة لتطوير تعليمنا وإصلاحه.

  وبناء واعتمادا على نتائج وتوصيات مختلف المنتديات المنظمة، يتم صياغة مشروع إصلاح التعليم، واقعي متقاسم، واضح الأولويات والأهداف وقابل للتنفيذ والتمويل، يحدد مسؤوليات وواجبات ومهام كل طرف، وتلتزم الحكومة الحالية بالشروع في تنفيذه، والحكومات اللاحقة في الاستمرار والاجتهاد في تنفيذه، وتسهر هيئة مستقلة على التتبع المستمر لتنفيذه وعلى التقويم المنتظم والدائم لنتائجه الكمية والنوعية وإطلاع المجتمع ومختلف الفاعلين والرأي العام على إنجازاته ومواطن قصوره ومكامن قوته.

إن اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية في إعداد مشروع إصلاح التعليم، لمن شأنه أن يعطي نفسا جديدا للتعبئة الوطنية حول التعليم، وان يساهم في إصلاحه وتطويره وتثمين موارده البشرية المتنوعة والاستفادة من معارفها وخبراتها وتصوراتها للإصلاح  وتشجيعها على الانخراط والالتزام به ، فنجاح أي إصلاح يتوقف أساسا على نساء ورجال التعليم نظرا إلى دورهم الحاسم والهام فيه، فهم رافعة  الإصلاح فبهم وعن طريقهم سيتحقق.

إن تحقيق إصلاح التعليم أمر ممكن، يتطلب شرطا أساسيا ألا وهو الارادة الحقيقية والدائمة والنية الصادقة والحسنة لذلك.

 

اترك تعليقاً

Close Menu