الحكامة المحلية بالمغرب

الحكامة المحلية بالمغرب

من إعداد: أنوار حسباوي

باحث بالمركز

مقدمة:

أجمعت تقارير مؤسسات دولية لليقظة على تثمين مجهودات المغرب، بالخصوص في السنتين الأخيرتين، في مقاومة تبعات الأزمة المالية و ما يشهده الاتحاد الأوروبي، باعتباره الشريك الأول، من مشاكل بنيوية خصوصا منها تلك المرتبطة بتفاقم مديونة اليونان. حيث جاء هذا التقييم بناء على النتائج الأولية للاستراتيجية التي يعتمدها المغرب في مختلف المجالات الاقتصادية و المالية و الاجتماعية
و الثقافية: تقليص عجز الميزانية، تنويع النسيج الاقتصادي و تراجع ارتباطه بالتقلبات المناخية، تقوية متانة النظام المالي و تقوية التضامن الاجتماعي. كلها مؤشرات جعلت المغرب يطمح الى الانضمام الى مصف الدول الصاعدة رغم التحديات المرتبطة بهذا المبتغى المشروع.
ولتحقيق ذلك، يراهن المغرب على تنمية محلية قوية من شأنها خلق جهات متوازنة و متضامنة و قوية اقتصاديا من خلال تحديد التركيز على المقومات المحلية و جعلها في خدمة التنمية المحلية الشاملة. إلا أن النهوض بالجماعات المحلية يتوقف بشكل وثيق بنوع و جودة الحكامة السائدة داخل الهيئات المنتخبة، مما يدفعنا الى طرح السؤال المحوري التالي: ماهي الأسس الحديثة للحكامة المحلية؟، للإجابة على هذا السؤال وجب التعريف بالحكامة المحلية الجيدة (المبحث الأول)، ثم رصد أهم الإشكالات
و الصعوبات التي تعيق تدبير الشأن المحلي (المبحث الثاني)، و نختم هذه الورقة بتقديم مقترح آليات الحكامة المحلية الناجعة (المبحث الثالث).

المبحث الأول: الإطار النظري و المفاهيمي للحكامة المحلية

من خلال الاطلاع على مجموعة من المراجع و الدراسات في مجال التدبير و الحكامة يتضح أن هناك أنواع متعددة من الحكامة: حكامة اقتصادية، حكامة ثقافية، حكامة سياسية…ألخ، و قد تم نقل هذا النمط التدبيري من القطاع المقاولاتي حيث أن الوحدات الاقتصادية تعتمد على مجموعة من المبادئ
و العمليات و الوسائل و الإمكانيات المادية و البشرية لتحقيق أهدافها المتوخاة. على مستوى أخر، يقدم تقرير اللجنة العامة للأمم المتحدة حول الحكامة الدولية تعريف الحكامة بأنها ” مجموعة من المناهج
والطرق التي بواسطتها يقوم الأشخاص و المؤسسات العمومية و الخاصة بتدبير الشؤون المشتركة”(1995)، و بالتالي فالحكامة لم تظل حصرا على القطاع الخاص بل امتدت إلى نمط تدبير القطاع العام. والحكامة المحلية تتميز بكونها منظومة في تحول مستمر، تستمد هذا المنحى من رغبة الفاعليين المحليين المساهمة بشكل قوي في تدبير الجماعات المحلية ، و بالتالي يشير تعريف اللجنة الأممية الى ضرورة توفر اهتمام و انخراط الساكنة المحلية في تدبير الشأن المحلي و إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل و الصعوبات التي تعرفها الجماعة، مما يعكس روح المواطنة التي يجب أن تتوفر عليها.
و يشير اليعكوبي أستاذ بكلية الحقوق سلا الى ان الحكامة “تكمن في كفاءة المجتمعات الإنسانية على التوفر على انظمة تمثيلية ومؤسسات وقواعد و مساطر و وسائل التقييم ومسلسلات و هيئات اجتماعية قادرة على تسيير و تدبير الترابطات و الروابط بطريقة سليمة” ، مما يؤكد على أن الحكامة ترتكز على القدرات و المؤهلات التدبيرية لحل الشؤون المحلية التي تتميز بتقاطع مصالح مجموعة من الفئات الاجتماعية. و في هذا الصدد يشير بورديلو إلى ظهور قوى سياسية و اجتماعية وجب معها تقديم توافقات (بورديلو 2003) و بالتالي اعتماد مبادئ جديدة تتماشى مع هذه القوى، مما يستوجب التجديد في نمط التدبير وجعله يساير التطورات المحلية ( لكوين 2000). حيث أن الشأن المحلي يعرف تطورات سريعة و متنوعة (على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي و البيئي…ألخ) وجب على أصحاب القرار المحليين إستشرافها بغية صياغة الحلول المناسبة مما سيمكن من ترشيد مختلف الموارد المتاحة للجماعة .

المبحث الثاني: الصعوبات الميدانية

إن الواقع الذي تعيشه مجموعة من الجماعات المحلية و ظهور مجموعة من المشاكل و الصعوبات على مستوى تدبير الشأن المحلي ( مثل: صعوبة المصادقة على الميزانية تعطل الأشغال العمومية و ارتفاع كلفتها و سوء الخدمات المقدمة للمواطن…ألخ) يبين أن هناك إشكالية واضحة على مستوى الحكامة
و عدم قدرة أصحاب القرار المحليين على مسايرة التطور السريع و المتعدد الأبعاد للمجال الجغرافي الذي يدبرون شؤونه، و يمكن تلخيص هذا العجز في النقاط التالية و التي تتفاوت في حدتها من جماعة الى أخرى:

  :المناخ السياسي السائد

لاشك أن تشنج العلاقات بين الفرقاء السياسيين و تقاطع المصالح يساهم بشكل وثيق في إضعاف القدرات التدبيرية للمجالس الجماعية و ينتج عنه هدر كبير للموارد المتاحة كيفما كان حجمها. و لكي نتمكن من معرفة أهمية المناخ السائد داخل كل مجموعة نلاحظ أن المقاولات الكبرى تحرص على صفاء الأجواء بين جميع المتدخلين المباشرين او الغير مباشرين في العملية الانتاجية، مما يساعد على الرفع من القيمة المضافة للمقاولة.

 :طبيعة الموارد البشرية

من بين الصعوبات التي تواجهها الجماعات المحلية نوعية الموارد البشرية التي تتوفر عليها و التي تظل عاجزة عن مسايرة التطورات و المستجددات المحلية، كما أن بعض الجماعات تفتقر للعدد المناسب للموظفين مما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للساكنة و يعيق مسار التنمية المحلية بشكل يومي؛

 :تواضع الموارد المادية و المالية

تعاني بعض الجماعات من قلة الموارد المادية و تواضع المداخيل الجبائية المحلية مما يجعل المجالس المسؤولة عاجزة عن تلبية متطلبات الساكنة المحلية، إلا أن هذا السبب غير كاف لتبرير النقص الحاصل في أداء المجالس الجماعية، فالحكامة المحلية هي قبل كل شيء كفاءة في تدبير الشأن المحلي بصعوباته و مميزاته؛

 :فشل بعض السياسات المحلية

نخص بالذكر محدودية التدبير المفوض الذي اعتمدته مجموعة من الجماعات المحلية، نسرد في هذا الصدد سوء الخدمات المقدمة من طرف بعض الشركات المفوض لها تقديم خدمات عمومية و كلفتها التي تفوق القدرة الشرائية للمواطن، لابد من الإشارة هنا الى مستوى القوة التفاوضية للمجالس الجماعية التي تبقى جد محدودة أمام القدرات التفاوضية للشركات خصوصا منها الأجنبية التي تستعين بفريق من الخبراء و القانونين قبل التوقيع على عقد التدبير المفوض؛
كلها مظاهر تعكس الخلل القائم على مستوى التدبيري للشأن المحلي و الذي يخلف إحساس بالتذمر وفقدان الثقة في الفاعل السياسي المنتخب مما يسبب في عزوف المواطن عن المشاركة في أي استحقاق انتخابي ايمانا منه بانه لاجدوى من اختياراته ، ويعتبر عزوف المواطن ذو تكلفة باهظة يمكن أن تدوم لسنوات عدة مما يعرقل مسار التنمية المحلي.

المبحث الثالث: آفاق الحكامة المحلية الشاملة

لاشك ان الصعوبات التي سلف ذكرها تعتبر مدخلا رئيسيا لتقديم مقترحات و حلول من شأنها دعم مسلسل الحكامة المحلية بالبلاد، و صياغة الحلول المناسبة هي عملية مستمرة و متغيرة مع تطور المجال الجغرافي للجماعة بمختلف أبعاده، من هنا نؤكد على ضرورة تبادل التجارب الناجحة بين الجماعات المحلية و كذا الاستئناس بعض التجارب الدولية للدول التي تعرف تشابها في الظروف و الخصائص المحلية.
• الكفاءة شرط ضروري بغض النظر عن الإمكانيات المادية و المالية و البشرية و بالتالي وجب اعتماد مبدأ تدبير الندرة داخل الجماعة المحلية ( كما هو مطبق داخل المقاولة)، في هذا المجال يجب التأكيد على استحالة تحقيق تنمية محلية ناجعة في ظل غياب نخب محلية كفئة و مواطنة ؛
• إحداث نظام للمعلومات شامل ودقيق للمجال الجغرافي للجماعة لرصد الجوانب الاجتماعية
و الاقتصادية و الثقافية و الجغرافية…بغية دراستها و تحليلها و استثمارها في تدبير الشأن المحلي؛
• توفر المجالس المنتخبة على رؤية متعددة السنوات بأهداف واضحة و مؤشرات رقمية تبين التطور الذي تطمح له؛
• ربط المسؤولية بالمحاسبة و تفعيل دور هيئات مراقبة المالية المحلية مع إرساء أسس الشفافية
و اعتماد مؤشرات واضحة حول مردودية و نجاعة السياسات العمومية المحلية ؛
• الاتفاق حول مشروع مشترك محلي جماعي: منتخبون و مكونات المجتمع المدني و أعضاء الغرف المهنية مما ستوجب تغيير جذري للثقافة السائدة التي تتسم بالصراعات بين المنتخبين داخل المجلس الجماعي الواحد، في هذا الصدد وجب التأكيد على حتمية تغليب التنمية المحلية على المصلحة الحزبية، إن تحسين البنية التحتية و ارساء الأمن و خلق مجال جغرافي جذاب سيظل راسخا في أذهان المواطنين، أفضل بكثير من الحسابات الضيقة التي لاتتعدى بضع السنوات؛
• ارساء القواعد و الأسس السليمة لنظام اللاتمركز و اللاتركيز يتمثل في تفوض واضح للاختصاصات بشكل يسهل عملية تقييم أداء الجماعات المحلية؛

أهم المراجع المعتمدة:
تقرير النهائي لمشروع الحكامة المحلية بالمغرب، فترة 3 نونبر 2006 الى 30 يونيو 2012، وزارة الداخلية بشراكة مع الوكالة الكندية للتنمية الدولية؛
• محمد اليعكوبي: “المبادئ الكبرى للحكامة المحلية”، كلية الحقوق سلا؛
• El Ouardi, E. Gouvernance Locale et Dévelopement Territorial : cas du Maroc , Institut des études politiques, Université Paul Cezanne, Aix Marseille 3 ;
• Bordeleau, D. (2003). Gouvernance et construction territoriale : le cas de Faubourg des Récollets de Montréal : du Carrefour des Arts et des Technologies à la Cité des Multimédia ;
• Lequin, M. (2000). Gouvernance en écotourisme : développement durable, développement régional et démocratie participative.

اترك تعليقاً

Close Menu