الإختصاص النوعي في المنازعات

الاختصاص النوعي في المنازعات المتعلقة
بالتعويض عن الحوادث المدرسية

 من إعداد محمد خربوش

باحث بالمركز

 

1-مفهوم الاختصاص النوعي وارتباطه بالنظام العام:

 إن دراسة الاختصاص ترمي إلى معرفة الجهة القضائية والمحكمة المؤهلة للنظر  في النزاعات على اختلافها.

وبعبارة أوضح، فالاختصاص هو سلطة المحكمة للحكم في قضية معينة. وعدم الاختصاص هو فقدان ولاية هذه الجهة أو المحكمة إزاء نزاع معين، أو بمعنى آخر هو سلطة الحكم بمقتضى قانون في خصومة المحكمة. واختصاص المحكمة هو نصيبها للبث في المنازعات التي يجوز لها الفصل فيها، وتحديد اختصاص محكمة معينة يكون بتمييز القضايا التي لها سلطة النظر فيها وفقا للقواعد التي ينص عليها القانون. وقوانين الاختصاص هي تلك القوانين التي تحدد ولاية المحاكم المختلفة (1) .

و قد قسم المشرع المغربي الاختصاص إلى نوعي وآخر محلي أو مكاني، وهذا التقسيم يتضح جليا في قانون المسطرة المدنية وقانون المحاكم الإدارية وقانون المحاكم التجارية.

وقد تناول المشرع المغربي أحكام الدفع بعدم الاختصاص النوعي في القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية في المادتين 12 و13 منه.

ففي المادة 12 نص صراحة على أن ” القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي تعتبر من قبيل النظام العام، وللأطراف أن يدفعوا بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل إجراءات الدعوى، وعلى الجهة القضائية المعروضة عليها القضية أن تثيره تلقائيا”.

وفي المادة 13 نص على أنه ” إذا أثير الدفع بعدم الاختصاص النوعي أمام جهة قضائية عادية أو إدارية، وجب عليها أن تبث فيه بحكم مستقل، ولا يجوز لها أن تضمه إلى الموضوع. وللأطراف أن يستأنفوا الحكم المتعلق بالاختصاص النوعي أيا كانت الجهة القضائية الصادر عنها أمام المجلس الأعلى، الذي يجب عليه أن يبث في الأمر داخل أجل ثلاثين يوما، تبتدىء من تسلم كتابة الضبط به ملف الاستئناف”.

هذا، وإعمالا لمنطق الاستنتاج، يمكن القول إن اعتبار الاختصاص النوعي من النظام العام يترتب عنه ما يلي:

  •    أنه يجوز لكل من المدعي والمدعى عليه التمسك بالدفع بعدم الاختصاص
       في أي مرحلة من مراحل التقاضي ولو لأول مرة أمام محكمة النقض؛
  •    أنه يتعين على المحكمة أن تثيره تلقائيا، ولو لم يتمسك به أحد الخصوم؛
  •    لا يحق للأطراف الاتفاق على مخالفة قواعد الاختصاص متى كانت متعلقة   بالنظام العام، وأن مثل هذا الاتفاق يعد باطلا؛
  •    أنه يتعين على المحكمة أن تبث في الدفع بعدم الاختصاص النوعي    بحكم مستقل وألا تضمه إلى الجوهر.

 2– الاجتهاد القضائي المغربي وإشكالية الدفع بعدم الاختصاص النوعي في منازعات التعويض عن الحوادث المدرسية:

بعد أن تطرقنا إلى مفهوم الاختصاص، وعرفنا بالنتائج المترتبة عن اعتبار الاختصاص النوعي من النظام العام، سنحاول مقاربة إشكالية الدفع بعدم الاختصاص النوعي في قضايا التعويض عن الحوادث المدرسية، وذلك من خلال مجموعة من الاجتهادات القضائية الصادرة في هذا الشأن.

لقد اختلف الاجتهاد القضائي المغربي في شأن التكييف القانوني المتعلق بدعاوى التعويض عن الأضرار الناتجة عن الحوادث المدرسية، ذلك أن بعض الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية اعتبرت هذا النوع من المنازعات يندرج ضمن الأضرار التي تتسبب فيها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، وبالتالي إخضاعها لمقتضيات المادة 8 من القانون رقم 41.90
وهو ما يعني عقد الاختصاص بشأنها للمحاكم الإدارية.

في حين هناك اجتهاد قضائي مخالف يعتبر أن التعويض عن الحوادث المدرسية يخضع للمسطرة الإدارية المنصوص عليها في ظهير 26/10/1942 والذي يحيل بدوره على الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على كون المعلمين وموظفي الشبيبة والرياضة مسؤولون عن الضرر الحاصل من الأطفال والشباب خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم، وترفع دعوى المسؤولية التي يقيمها المتضرر أو أقاربه أو ذوي الحقوق ضد الدولة، باعتبارها مسؤولة عن الضرر، أمام المحكمة الابتدائية الموجودة في دائرة المكان الذي وقع فيه الضرر وليست المحكمة الإدارية.

كما أن هناك رأي ثالث يرى أن التعويض عن الحوادث المدرسية-الدعوى المقامة في إطار ظهير 26 أكتوبر 1942 من اختصاص لجنة إدارية وليس من اختصاص القضاء.

 ولتسليط الضوء أكثر على هذه الإشكالية، ارتأينا إدراج نماذج من الاجتهادات القضائية الصادرة في هذا الشأن:

جاء في حيثيات الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس (2) بتاريخ 28/6/2001
 ” في الدفع بعدم الاختصاص النوعي

حيث إن الطلب يرمي إلى الحكم لفائدة المدعي نيابة عن ابنه القاصر بتعويض مسبق محدد في مبلغ عشرة آلاف درهم عن الأضرار التي لحقته من جراء الحادثة المدرسية التي وقعت بتاريخ 6/10/1999 …

وحيث دفعت الجهة المدعى عليها بعدم اختصاص المحكمة الإدارية نوعيا للبت في الطلب لكونه لا يندرج ضمن مقتضيات المادة 8 من قانون رقم 41.90 .

وحيث يتبين بالرجوع إلى معطيات النازلة أن الأمر يتعلق بالتعويض عن حادثة مدرسية، أي التعويض عن أضرار مرتبطة بتسيير مرفق من طرف شخص من أشخاص القانون العام، لذلك وتطبيقا لمقتضيات المادة 8 من قانون رقم 41.90 فإن الدعاوى المتعلقة بالتعويض عن الأضرار التي تتسبب فيها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام ينعقد الاختصاص بشأنها للمحاكم الإدارية، وإن كانت مقتضيات المادة 85 مكررة من قانون الالتزامات والعقود تسند الاختصاص سابقا للمحاكم الإقليمية التي حلت محلها المحاكم الابتدائية، فإن هذا المقتضى تم نسخه بعموم المادة الثامنة من قانون رقم 41.90 ، ومن ثم فإن هذه المادة تستوعب بعموميتها التعويض عن الحوادث المدرسية أيضا …”

 وتبعا لذلك صرحت باختصاص المحكمة الإدارية نوعيا للبت في الطلب.

  هذا، وقد عادت نفس المحكمة (3) بتاريخ 15/11/2001 لتؤكد موقفها السابق المتعلق بالاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية في البت في دعاوى التعويض عن الحوادث المدرسية.

غير أن المحكمة الإدارية بفاس قد اتخذت موقفا مغايرا، حيث اعتبرت في حكميها (4) الصادرين بتاريخ 12/9/2000 وبتاريخ 9/1/2001 ، أن التعويض عن الحوادث المدرسية يخضع للمسطرة الإدارية المنصوص عليها في ظهير 26/10/1942 والذي يحيل بدوره على الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود، وتختص بالنظر في ذلك المحكمة الابتدائية.
وقد جاء في حيثيات الحكم الصادر في 9/01/2001 السالف الذكر أنه ” بمراجعة الملف يتبين أن الأمر بتعلق بطلب التعويض عن حادثة مدرسية وقعت للتلميذ ن.ع بتاريخ 4/2/97 أثناء حصة التربية البدنية بمؤسسة صلاح الدين الأيوبي للتعليم بفاس.

وحيث إن التعويض عن الحوادث المدرسية يخضع للمسطرة الإدارية المنصوص عليها في ظهير 26/10/1942 والذي يحيل بدوره على مقتضيات الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود.

وحيث تكون بالتالي الجهة المختصة نوعيا للبت في دعاوى المسؤولية عن الحادثة المدرسية التي تعرض لها ابن المدعي هي المحكمة الابتدائية العادية وليس المحكمة الإدارية بمقتضى صراحة النص المذكور أعلاه”.

بهذا قضت بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة الإدارية للبت في الطلب.

هذا، وقد اعتبرت الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى في قرارها (5) الصادر بتاريخ 4/6/1998  أن التعـــويض عــــن الحــــوادث المدرسية- الـــــدعوى المقــــامة في إطــــار ظـــهير 26 أكتوبر 1942 من اختصاص لجنة إدارية وليس من اختصاص القضاء.

وقد جاء في منطوق الحكم ” … حيث إن جوهر النزاع هو تحديد طبيعة الدعوى القائمة من طرف المستأنف عليها ضد المستأنفة، وهل الأمر يتعلق بطلب تعويض عن أضرار ناتجة عن نشاط شخص من أشخاص القانون العام في شخص وزارة التربية الوطنية … أم أن الأمر يتعلق بدعوى في إطار ظهير 26/10/1942 المتعلق بضمان الدولة لتعويض الأضرار الناتجة عن الحوادث المدرسية.

 وحيث إنه من الثابت أن الأمر يتعلق فعلا بحادث مدرسي وأن المدعية أقامت دعواها في إطار ظهير 26/10/1942 المشار إليه، والذي نص على المسطرة الواجب اتباعها للحصول على التعويضات المحددة في التشريع المذكور قد جعله المشرع من اختصاص لجنة إدارية، وأن الطلب كان من المفروض أن يقدم إلى الوزارة المعنية لطلب الحصول على التعويض المنصوص عليه في الظهير المذكور، الشيء الذي يعني أن التعويض في هذه الحالة يخضع لمسطرة إدارية خاصة
ولا يمكن طلبه مباشرة عن طرق القضاء. وفي الحالة التي يكون فيها التعويض الممنوح من طرف الإدارة غير كاف في نظر المتضرر في إمكانه أن يتوجه إلى القضاء في نطاق الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود، مما كان معه على المدعية أن تتقدم بدعواها أمام المحكمة الابتدائية ذات الاختصاص الشامل لا أمام المحكمة الإدارية في نطاق الفصل 8 من قانون 41.90 الغير القابل للتطبيق على النازلة الحالية …”

 لهذه الأسباب قضى المجلس الأعلى بإلغاء الحكم المستأنف وتصديا بعدم اختصاص المحكمة الإدارية للبت في الطلب.

 غير أن المحكمة الإدارية بفاس ما فتأت أن تراجعت عن موقفها السابق، حيث أقرت
في حكمها (6) الصادر بتاريخ 3/5/2006 بإدراج التعويض عن الحوادث المدرسية ضمن اختصاص المحاكم الإدارية، وقد جاء في حيثيات الحكم ” حيث دفعت الجهة المدعى عليها بعدم اختصاص المحكمة الإدارية نوعيا للبت في الطلب لكونه لا يندرج ضمن مقتضيات المادة 8 من قانون  رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية.

وحيث يتبين بالرجوع إلى معطيات النازلة أن الأمر يتعلق بالتعويض عن حادثة مدرسية أي التعويض عن أضرار مرتبطة بتسيير مرفق عمومي من طرف شخص من أشخاص القانون العام، وأنه وحسب المادة 8 من قانون رقم 41.90 المشار إليه المحددة للاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية أدرجت ضمن مجال هذا الاختصاص طلبات التعويض عن أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، مما يبقى معه الدفع بعدم الاختصاص النوعي للبت في النازلة غير مؤسس
ويتعين رده” .

وقد كرست هذا الموقف المحكمة الإدارية بأكادير في حكمها (7) الصادر بتاريخ 30/9/2004 ، حيث جاء في حيثيات الحكم ” حيث أثار الوكيل القضائي للمملكة نيابة عن الدولة المغربية ووزارة التربية الوطنية، دفع بعدم الاختصاص لبت هذه المحكمة في نازلة الحال، اعتبارا لما ورد في الفصل 85 مكرر من قانون الالتزامات والعقود.

 لكن حيث أنه بالرجوع إلى وثائق الملف وطبيعة الحادث الذي تعرض له الضحية تبين أن الأمر يتعلق بعمل من أعمال المرفق العام والذي هو المدرسة التي تمارس نشاطا يتمثل في التعليم العمومي، وأثناء حصة الرياضة تعرض التلميذ الهالك لحادث نتجت عنه وفاته.

وحيث إنه بغض النظر عن القانون الواجب التطبيق أثناء النظر في موضوع الدعوى، وبالرجوع إلى المادة 8 من قانون رقم 41.90 يتبين أن المحاكم الإدارية تختص بالبت في دعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، وقد استثنت هذه المادة الأضرار التي تسببها في الطريق العام، مركبات أي كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام دون غيرها، مما يتعين معه رد هذا الدفع لعدم جديته واعتبار الاختصاص منعقدا لهذه المحكمة.

 مما سبق، نستنتج أن الاجتهاد القضائي يسير نحو توحيد موقفه من الاختصاص النوعي في المنازعات المتعلقة بالتعويض عن الحوادث المدرسية، وذلك بإدراجه ضمن ولاية المحاكم الإدارية وفقا لمقتضيات المادة 8 من قانون رقم 41.90 .

وفي هذا الصدد، نعتقد أن التعليل الوارد في الحكم عدد 721/2004 الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير قد أعطى تفسيرا منطقيا لمحتوى المادة 8 السالفة الذكر، عندما اعتبر أن الحادث المدرسي يتعلق بعمل من أعمال المرفق العام والذي هو المدرسة التي تمارس نشاطا يتمثل في التعليم العمومي.

 هذا، وإن من شأن توحيد الاجتهاد القضائي في هذا المجال، توضيح الرؤية لدى المتقاضين وتخفيف العبىء عنهم، لا سيما أن من بين أهم أسباب إحداث المحاكم الإدارية هو صيانة حقوق الأفراد وإرساء دولة الحق والقانون.

 

(1)     محمد محجوبي ” الوجيز في القضاء الإداري المغربي بعد إحداث المحاكم الإدارية”

دار القلم للطباعة-الرباط. 2002 .

(2)     حكم عدد 55/2001 /12 ش بتاريخ 28/6/2001

 (3)     حكم عدد 81/2001/12 ش بتاريخ 15/11/2001

(4)     حكم عدد 560/2000 بتاريخ 12/9/2000 وحكم عدد 9/2001 بتاريخ 9/01/2001

(5)     حكم عدد 591 بتاريخ 4/6/1998 .

(6)     حكم عدد 293/2006 بتاريخ 3/5/2006 ، ملف رقم 124 ت/2004

(7)     حكم عدد 721/2004 بتاريخ 30/9/2004 ، ملف رقم 51/2003 ش .

This Post Has One Comment

  1. تمت قراءة المقال المتعلق بالاختصاص النوعي في المنازعات.

    بالتوفيق وأتمنى لك مسيرة موفقة ومزيدا من التألق والنجاح.

    مع كامل مودتي وتقديري . نجاة سانسو

Leave a Reply

Close Menu