الثقافة و المجتمع no image

Published on ديسمبر 24th, 2014 | by assiahasb

0

التبعية لتكنولجيا الاتصال والاعلام الحديثة وسبل مواجهتها

Share on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on TumblrTweet about this on Twitter0

المهدي كرومي
 ترجمة مقال*

أصبحت تكنولوجيات الاتصال والاعلام الحديثة، جزء لا يتجزأ من حياتنا. فنادر هم  الأفراد والأسر الذين لايتوفرون على أجهزة كمبيوتر، أو هواتف محمولة، أو لايتعاملون مع شبكة الإنترنت. لذا فنفوذ هذه الوسائل على أسلوب ونمط حياتنا أصبح يزداد يوما بعد يوم، بل أكثر من ذلك يتم على حساب أشياء أخرى ذات أهمية بالغة في حياتنا، من قبيل علاقاتنا الأسرية، وأنشطتنا الفكرية واليدوية والرياضة، وغيرها من الاهتمامات.

 غير أنه وبالرغم من التأثير المتعاظم لهذه الوسائل على حياتنا، فلا يمكن لأحد أن يخرج علينا، ويطلب فرض حظر على هذه الوسائل أو منعها، ذلك لكونها أصبحت ذات  أهمية قصوى سواء للطبيب في عيادته، أو للمدرس في فصله، أو للمهندس في مصنعه، أو للموظف في إدارته، أو بصفة عامة للمواطن في بيته. وباختصار شديد، أصبحت ضرورية لكل منا بحيث يصعب التخلي عنها.  لذا يبقى السؤال المشروع الذي قد يساق في هذا الصدد، ليس هو كيف يمكن التخلص من هذه الوسائل، بل كيف يمكننا الاستفادة منها واستثمارها بشكل ايجابي، من جهة،  وكيف يمكننا تجنيب شبابنا مخاطر الوقوع في الادمان عليها  (cyberaddiction)، من جهة أخرى.

في هذا المقال سنتطرق في محور أول للتعريف بظاهرة إدمان الإنترنت، ثم نستعرض بعض التدابير الوقائية لمعالجة هذا الخلل الاجتماعي الفادح. أما المحور الثاني، فنتناول فيه سبل التعاطي الايجابي مع تكنولوجيات الاتصال الحديثة والتقليل من سلبياتها.

ظاهرة إدمان الإنترنت وسبل معالجتها:

في الواقع، ليس هناك تعريف دقيق لمصطلح إدمان الإنترنت. غير أن بعض الخبراء، يؤكدون على أنه يمكن الحديث عن الادمان، عندما يصبح استخدام الإنترنت والتكنولوجيا مشكلة في حد ذاته، بحيث يتولد لدى المستخدم، من وراء هذا الاستعمال، شعور بالضيق، وبوجود مشاكل نفسية، أو اجتماعية، أو مهنية.

المؤشرات الدالة على التبعية للتكنولوجيات الجديدة كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، اختلال كبير في مواعيد النوم، وتزايد عدد الساعات التي يقضيها المستخدم أمام الكمبيوتر، أو وسائل الإعلام الأخرى، بحيث يكون ذلك على حساب أشياء أخرى ذات أهمية بالغة مثل الدراسة، والميل إلى العزلة وإلى التواصل الافتراضي على حساب التواصل الفعلي، والذي من شأنه أن يؤدي، في بعض الأحيان، إلى نوع من القطيعة مع الحياة الحقيقية.

لايقتصر إدمان الإنترنت على فئة اجتماعية دون أخرى، غير أن الفئة الأكثر تعرضا لهذه المشكلة عادة هي فئة الشباب، خاصة المراهقين منهم، بسبب قدرتها على التفاعل مع كل ماهو جديد. ولكن أيضا بسبب قابليتها للتأثر بحكم حداثة السن، وأيضا بسبب عدم خضوع هذه الوسائل للرقابة من جهة، وتنوع البدائل والاختيارات التي تمنحها لمستعمليها، والتي تجعلها قريبة من تلبية مختلف الأذواق، التي قد يظهر أنها تهم هذه الفئات، من جهة أخرى.

ولهذا فالوقاية من إدمان الإنترنت، تتطلب تظافر جهود كلا من الوالدين والمدرسة. داخل الأسرة مثلا، يطلب من الآباء والأمهات، أن يكونوا مهتمين بكيفية تعاطي أبنائهم مع التكنولوجيا الحديثة. وفي هذا الصدد، ولمنع أي انزلاق منذ الطفولة المبكرة، يتعين عليهم أثناء هذه المرحلة اللجوء إلى أساليب مباشرة للمراقبة، من ضمنها تلك التي توفرها التكنولوجيات الجديدة نفسها. وهكذا يمكنهم تحديد أوقات معينة لأبنائهم لاستخدام جهاز الكمبيوتر والتحكم في الإنترنت وعمل البرامج المضادة للصفحات غير المرغوب فيها. أما خلال فترة المراهقة، فينبغي على الآباء والمربين تغليب لغة الحوار، من خلال مناقشة اهتمامات وميولات أبنائهم في هذا المجال، مع الحفاظ على بعض المساحة لخصوصياتهم الفردية وحريتهم. كذلك ينبغي على المدرسة، أن تعمل على تحسيس التلاميذ بالمخاطر المرتبطة باستخدام هذه الموارد، وعلى إعداد برامج تربوية خاصة تشجعهم على التفاعل الايجابي معها وتفادي الوقوع في مضامينها السلبية.

من أجل استعمال عقلاني لتكنولوجيات الاتصال الحديثة

لا يخفى على أحد أن تكنولوجيات الاتصال الحديثة سلاح ذو حدين. فكما يمكن أن تكون أدوات لانفتاح الشخصية وتطويرها، يمكن كذلك أن تكون أدوات لانطوائها وزيادة عزلتها. وعليه فالاستعمال الرشيد لهذه الأدوات هو السبيل الوحيد للحد من آثارها السلبية الفظيعة وتعزيز ايجابياتها.

فيما يتعلق بالآثار السلبية، يمكن التأكيد على صعوبة حصرها، لكن سنكتفي بالوقوف على البعض منها، على اعتبار تأثيرها البالغ على مستعملي هذه الوسائل.

  • افتتان المستعملين، وخاصة الشباب منهم، بهذه الوسائل قد يؤدي إلى تغيرات كبيرة في سلوكياتهم، فتظهر على بعضهم حالات من الادمان، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ينتج عنها هدر للوقت بشكل مريع، من خلال عدد الساعات التي يقضيها المستعمل أمام الكمبيوتر، والتعاطي لأنشطة سلبية بدواعي مختلفة؛
  • تعمق خطر العزلة عن الناس، وحتى داخل الأسرة الواحدة. وهكذا يمكن أن تبرز حالات انقطاع الاتصال عن العالم الخارجي، بحيث يفضل البعض التعاطي مع أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، أو الهواتف الذكية، على حساب العلاقات والروابط الانسانية.
  • كذلك خطر إحداث هوة عميقة في نفسية الأطفال والمراهقين فيما يتعلق بتمثل الواقع، نتيجة التعود على متابعة مشاهد للعنف في الأفلام وألعاب الإنترنت العنيفة المتاحة أمامهم، والتي غالبا ما تظهر على الشاشة من دون تحذير، مما يجعلهم يعتبرون هذا العنف شيئا مألوفا ومقبولا في المجتمع الذي يعيشون فيه، وبالتالي قد تتحول هذه التكنولوجيات الجديدة إلى مصدر للتحريض على العنف.
  • قد يعاني الكثير من المراهقين والشباب من صعوبة في التمييز  بين ماهو حقيقي وماهو افتراضي، وبين ماهو خاص وماهو عام، وبين الممكن وغير الممكن، مما قد يعرضهم لمتابعات قانونية، على إثر نشر أخبار أو معلومات شخصية لأفراد على شبكة الإنترنت، أو الهواتف النقالة.
  • في مجال التعليم، يمكن لهذه الوسائل أن تشجع الطلاب على اختيار الحلول البسيطة بدل الاجتهاد والمثابرة. وهكذا يمكنهم البحث عن أجوبة جاهزة لواجباتهم المدرسية على الإنترنت. كما يمكن لآخرين استخدام وسائل الإعلام الجديدة للغش في الامتحانات.

أما بالنسبة للآثار الايجابية، وهي أيضا عديدة، فيمكن القول أن التكنولوجيات الجديدة تتيح لمستعمليها العديد من المزايا، نذكر منها، في هذا الصدد، على سبيل المثال لا الحصر:

  • الوصول الفوري إلى المعلومة، والتفاعل الاجتماعي على عكس التلفزيون، والقدرة على التغلب على المسافة، والتواصل الآني مع الأشخاص، الذين نرغب في الاتصال بهم، ليس فقط على مستوى منطقتنا بل على مستوى العالم بأسره.
  • وفي مجال التعليم والبحث العلمي، يوفر الإنترنت ووسائل الإعلام الجديدة للتلاميذ والطلاب والباحثين، مصدرا للمعلومة بمنتهى السرعة والقيمة تمكنهم من الوصول بسهولة إلى معرفة أوسع، وتحديثها باستمرار. وفي ذات الوقت تمكنهم من تقديم أعمال وبحوث علمية ذات جودة وبأقل الأخطاء.
  • كما يمكن الإنترنت وغيره من التكنولوجيات الحديثة في مجال الاتصال أيضا، من خلال الشبكات الاجتماعية، الشباب من تبادل الأفكار فيما بينهم ومن التعاون والتعارف ونسج صداقات. وهكذا، يمكن للشباب من خلال المنتديات اكتشاف أشخاص آخرين، قريبين جدا من أعمارهم ولديهم نفس الاهتمامات المشتركة.

 في الختام، يمكننا القول أن تكنولوجيات الاتصال الجديدة، هي أدوات قد يكون تأثيرها إيجابيا أو سلبيا، حسب الاستخدام الذي يختار كل واحد منا أن يقوم به. لكن مايمكن التأكيد عليه، أنه بالرغم من أهمية هذه الوسائل، يظل الاتصال الافتراضي عاجزا عن تعويض الاتصال الاجتماعي الحقيقي، لأن لا شيء سوف يحل محل العلاقات الإنسانية المباشرة. فعلى أولياء الأمور ونساء ورجال التعليم تقع مسؤولية تدريب الشباب على الاستخدام العقلاني وغير المفرط لهذه التقنيات، حتى  تكون أدوات للتقدم والتنمية، بدلا من أن تكون وسائل للتدمير والادمان.

________________________________
*   النص متوفر باللغة الفرنسية على موقع مركز حمو رابي للتنمية الفكرية، للباحث عبد الغاني كرومي، تحت عنوان » :  « La dépendance vis-à-vis des nouvelles technologies de communication

Share on Facebook0Share on Google+0Share on LinkedIn0Share on TumblrTweet about this on Twitter0


About the Author



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to Top ↑